الكلمة المعاصرة الكلمة المعاصرة
ذكرى تأسيس الجيش  العراقي  حين يكون الفن هو المنقذ

ذكرى تأسيس الجيش العراقي حين يكون الفن هو المنقذ

{ ذكرى تأسيس الجيش  العراقي

حين يكون الفن هو المنقذ }


توثيق / حسن الجراح


كان ذلك في شهر حزيران من عام 1976 عندما التحقت بالخدمة العسكرية في معسكر النجف الاشرف ، أو كما يطلق عليه حينذاك بـ (حامية النجف) .

إستغرقت فترة التدريب التي اقتصرت على إستخدام الأسلحة البسيطة والعناية بها ، مدة ثلاثة أشهر . ثم تم توزيع الجميع على معسكرات أخرى متخصصة . كان نصيبي موقع المحاويل قرب مدينة الحلة في مركز تدريب مدفعية مقاومة الطائرات - الوحدة332 . 

لقد ‏أمضيت هناك ثلاثة اشهر أخرى في التدريب على المدافع لغاية موعد توزيع الجنود إلى مواقع ثابتة ، أخبرونا لتهيئة أنفسنا للانتقال إلى معسكر جديد حديث التأسيس في منصورية الجبل قرب الحدود الإيرانية .


كان آمر معسكرنا شخصا قاسيا يخافه كل الجنود والمراتب بما فيهم‏ بعض الضباط. لملمت نفسي وتوجهت إلى مساعد آمر المعسكر، حيث يمكنني التحدث إليه والتفاهم معه. طرقت باب مكتبه بخجل ، وجاء الصوت قويا :

-أدخل .

رتبت نفسي وهندمت ملابسي و ( ضبطت ُ بيريتي ) على رأسي ودخلت ُ لأؤدّي التحية العسكرية بقوة مراعيا كل اصولها وقلت:

‏ - أنا الجندي المكلف حسن … سيدي، أمارس فن الرسم والتصوير الفوتوغرافي وأعمال فنية أخرى ، يمكنكم الإستفادة من موهبتي وأعمالي الفنية في هذا المعسكر، فجاءني سؤاله :

-  هل لديك ما يثبت هذا ؟

-نعم سيدي عندي دفتر أرسم فيه بعد نهاية التدريب في فترة الإستراحة . 

-اذهب وآتي به حالا .

-أمرك سيدي .

ذهبت ُ مسرعا ً وأنا ‏لم أصدّق ما سمعته منه ، وما هي إلا دقائق حتى وضعت الدفتر بين يديه . قلب صفحاته وهو ينظر إلى رسوماتي وتخطيطاتي .  وبينما أنا منتشيا بمشاهدته صفحات الدفتر فإذا به فجأة أغلق الدفتر وأعطاني إياه قائلا :

-خذ دفترك واذهب !

اخذت دفتري وأنا في حيرة وأتساءل : هل أعجبته رسومي ؟ أن علي ّ أن أهيئ نفسي مع الجنود الآخرين ‏للإنتقال إلى معسكر آخر .

بعد حوالي ساعة جاءت الحافلات لنقلنا إلى معسكر منصورية الجبل . الجميع جاهز للسفر كل واحد منا يتأبط حقيبته الصغيرة . جاء نائب الضابط ( مسؤول دائرة القلم ) ووقف بجانب باب الحافلة ، وقف الجنود حوله بشكل انصاف دوائر تتسع الدائرة كل ما نظرت إلى الخلف . أخذت موقعي في الدائرة القريبة من نائب الضابط، وبدأ يقرأ الأسماء ، كل من كان يسمع اسمه يؤدي استعداده العسكري ‏ويصرخ :

-نعم سيدي .

ثم يدخل الحافلة . امتلأت الاولى وجاءت الثانية ثم الثالثة والأخيرة . حصدت الحافلات الثلاث كل الجنود ما عداي ، وقفت مستغربا إلى الدرجة التي حيرت نائب الضابط, فسألته :

- لماذا لم يكن اسمي معهم سيدي؟

- لا أدري .

تفحص القوائم مرة أخرى وقال:

- لست معهم .

-- ماذا أعمل سيدي ؟

- أبقى في مكانك المعتاد إلى صباح الغد لنعرف السبب .


كانت هذه أول ‏ليلة اقضيها وحيدا ، لا جنود ولا مراتب ولا فصيل يأويني، تائها بين المقرات الطويلة الفارغة ، ليس هناك احد أتحدث معه ، ليست هناك حركة كما في الأيام الخوالي ، سوى عدد قليل جدا ممن هم في فصيل المقر لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين وأكثرهم أكبر مني سنا وأرفع رتبة .

بدأ الصباح هادئا جدا بل ‏وساكن بدون اصوات ولا ضجيج، لا اسمع سوى زقزقة العصافير والطيور، بحثت عن نائب الضابط فلم اجده . ما هي إلا ساعة أو ساعتين حتى بدأت الحافلات المحملة بالجنود العودة بدخول المعسكر ، فاستقرت بين دائرة القلم وقاعات استراحة الجنود الفارغة . سرعان ما ظهر نائب الضابط الذي انتظرته في ساعات الصباح ، وبيده قوائم الأسماء.

‏بدأ الجنود بأخلاء الحافلات واحدا بعد الآخر بعد سماع اسمه ينادى عليه. ثم تم توزيعهم على فصائل متعددة وملؤا بهم القاعات الخالية . وقفت أمام نائب الضابط وأنا على هيئة الاستعداد التام موديا التحية العسكرية انتظر تفسير ما سيحل بي خلال الساعات المقبلة . لأول مرة أراه يستقبلني بابتسامة وهو يقول لي :

‏- تم تثبيتك في فصيل المقر  وسيكون عملك ضمن دائرة التوجيه : أجلب أمتعك وتعال معي .


ما هي إلا أيام وكنت ُ أدير إذاعة المعسكر بالإضافة إلى بعض الأعمال الفنية الأخرى . وهكذا قضيت فترة الخدمة العسكرية التي دامت اكثر من سنتين ونصف من هذا الموقع .

بالرغم من كل الضغوط النفسية والسياسية التي مورست علي ، لكني خرجت نقيا من كل انتماء .

📰

مساحة إعلانية

إعلانك هنا ضمن موقعنا

قد يعجبك أيضاً

شارك هذا المقال

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد، كن أول من يعلّق!

أضف تعليقك