[ شلـونـك ] بيـن زمنيـن
[ شلـونـك ]
بيـن زمنيـن
الفنان التشكيلي / حسن الجراح
شلـونـك ؟ كلمة مكونة من مقطعين وتعني (ما هو لونك؟ )
ويسألون بها عن صحة الشخص .
طالما تناولها العراقيون "والى الآن” في تحياتهم ، إذ يبادر اَحدهم حين يلتقي الآخر بالسؤال عن صحته بكلمة : شلونك؟ .
يعود ُ تداول هذه كلمة في مدينة بغداد الى العام / 1831 مع نهاية فترة حكم والي بغداد العثماني داود باشا ، وذلك عندما بدأ اِنتشار وباء الطاعون فيها ، حيث كان الشخص المصاب بالمرض يمر بثلاث مراحل , لكل مرحلة من مراحل المرض يتغير لون بشرة الإنسان إلى أحد الألوان ، وهي : الأصفر ثم الأخضرار وصولاً إلى الأزرق ثم الأزرق الغامق المائل إلى السواد ، وذلك وفقاً لاِكتشاف المرض ودرجة مقاومته.
كان الجسد المتحوّل بين الأصفر الأخضر يمكن علاجه ، وهو قابل للشفاء من المرض وقد يتجاوب مع العلاج . أما اِذا تحوّل جسد المصاب الى اللون الأزرق ثم الأزرق الغامق ، حينها يكون الموت هو النهاية المحتومة لينقل إلى مكان العزل الخاص بالمحتضرين . كان المُسعفون ولكثرة المصابين ، يسألون القادم الى مخيمات الحجر الصحي عن لون جسده من الداخل ويقولون له :
شلونك اليوم؟ (ما لونك اليوم)
وهكذا حتى اِنتقلت هذه الكلمة إلى الناس وصاروا يسألون بعضهم عن ألوانهم للسؤال عن الصحة ، وإستمر هذا السؤال لدى العراقيين و ( أهل بغداد ) بالذات لغاية الآن ، وبطبيعة الحال بعيداً عن تحديد نوع الإصابة بالطاعون .
ومع تواصل ظهور وباء الطاعون ، اِستعان والي بغداد آنذاك داود باشا بالقنصلية البريطانية طالباً من طبيبها الخاص إعداد المنهج الخاص بالحجر الصحي بغية منع الوباء من التقدم نحو بغداد ، ( حسب ما يذكره الدكتور علي الوردي في موسوعته "لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث" عن الأوبئة في العراق عامة ) .
فظهر نوع من الملابس الغريبة لحماية الاطباء ، والتي أثارت الرعب في نفوس عوام الناس ، وكان الطبيب الفرنسي شارل دي لورم قد ابتكر خلال القرن السابع عشر ، لباساً جديداً سعياً منه لحماية الأطباء من الهواء الملوث خلال ممارستهم مهامهم ، حيث اعتمد شارل دي لورم على ثياب الجنود ودروعهم كمصدر إلهام ليبتكر زياً طبياً جديداً مصنوعاً من الجلد . وشمل ابتكار الطبيب الفرنسي لباساً غريباً ؛ وهو عبارة عن معطف طويل وحذاء وقفازات وقناع على شاكلة مناقير الطيور عند مستوى الأنف والفم ، وشكل قناع المنقار الغريب أبرز سمات هذا الزي ، إذ امتلك عدستين لحماية العينين ، بينما ملئ جزء المنقار بالعديد من الأعشاب الطبية المعطّرة لتوفير رائحة طيبة لمرتديه .
خلال فترة انتشار الطاعون في أوربا ، عمد الأطباء إلى اِرتداء هذا الزي ووضع قبعة سوداء على رؤوسهم والتجول في أرجاء المدن حاملين معهم عصا كانوا يستخدمونها لجس الجثث المنتشرة في الشوارع ، والتأكد من وفاة أصحابها ، وتزامناً مع تجوالهم في الشوارع زمن الأوبئة ، تحوّل الأطباء المجهزون بهذا الزي الغريب إلى مصدر شؤم وبؤس ، كما لقبوا بالعقاب الإلهي أو “رسُل الموت" ، في حين اِتجه العديد من الأهالي إلى التضرع لأصحاب قناع المنقار لحمايتهم من الطاعون وتخفيف آلام مرضاهم ، إلا ّ أن الأطباء لم يتمكنوا في تلك الحقبة من حماية أنفسهم ، إذ لم يكن هذا الزي ذا قيمة تذكر لمجابهة الطاعون ، فأصيب العديد منهم بالطاعون .
وبالأمس القريب ومع بداية اِنتشار وباء كورونا كوفيد في عام 2020 ، خرج علينا رئيس وزراء بريطانيا في حينها ، بوريس جونسون ، بخطاب كشف فيه عن اِيجاد نظام لتصنيف مستوى التهديد بفيروس كورونا في إنكلترا ٬ ويتكون هذا المقياس من خمسة درجات من 1 إلى 5 حسب شدة وخطورة الاصابات ، أسوة بتقسيم ألوان المصابين بمرض الطاعون أيام فترة الحكم العثماني . وهكذا توقع المجتمع البريطاني حينها ان المصابين بالفايروس سيحملون إحدى هذه الأرقام حسب شدة الإصابة ، وتوقعنا حينها ان تتطور مسألة قياس شدة المصابين بالفيروس بالأرقام بأن يأتي يوم يسأل الناس بعضهم عن رقم القياس كدليل للاستفسار عن الصحة العامة ، فيبادروا بالسؤال عن الصحة بجملة: ما رقمك ؟
- المهم أنتم - شلونكم الآن ؟
مساحة إعلانية
إعلانك هنا ضمن موقعنا
التعليقات
احسنت
أضف تعليقك